الجاحظ
43
رسائل الجاحظ
والمحبة . وعلى هذا الأساس قبل دعوى التوراة بأن إسرائيل بكر اللّه ونبوة أولاده ، وقول المسيح في الإنجيل : « انا اذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم » . . . اما الجاحظ فيعلن موقفه قائلا : « اما نحن - رحمك اللّه - فإنا لا نجيز ان يكون للّه ولد ، لا من جهة الولادة ولا من جهة التبني ، ونرى ان تجويز ذلك جهل عظيم واثم كبير ، لأنه لو جاز ان يكون أبا ليعقوب لجاز ان يكون جدا ليوسف ، ولو جاز ان يكون جدا وأبا ، وكان ذلك لا يوجب نسبا ولا يوهم مشاكلة في بعض الوجوه ولا ينقص من عظم ، ولا يحط من بهاء ، لجاز أيضا أن يكون عما وخالا ، لأنه ان جاز ان يسميه من اجل المرجحة والمحنة والتأديب أبا ، جاز ان يسميه آخر من جهة التعظيم والتفضيل والتسويد أخا ، ولجاز ان يجد له صاحبا وصديقا ، وهذا ما لا يجوزه الا من لا يعرف عظمة اللّه وصغر قدر الانسان » . ويستفاد من كلام الجاحظ هذا أن القول ببنوة المسيح أو أبوة اللّه يقود إلى التشبيه الذي يعتبر بنظره ضلالا واثما ، ويحط من قدر اللّه وعظمته . ويعزو الجاحظ خطأ النصارى واليهود إلى سوء الترجمة وقلة معرفتهم بوجوه الكلام في العربية . وهو يعني بذلك ان ترجمة التوراة والإنجيل إلى العربية ليست دقيقة ، ولو كان النصارى واليهود متضلعين في العربية تضلعهم بالعبرانية « لوجدوا لذلك الكلام وسواه تأويلا حسنا ومخرجا سهلا ووجها قويا » . وهذا مبدأ ينطبق على اليهود والنصارى كما ينطبق على المسلمين ، فلو حاولوا ترجمة القرآن بالعبرانية لأخرجوه على معانيه . ومن جهة أخرى ينحى الجاحظ باللائمة على التفسير والتأويل الذي يطلع به المتكلمون والفقهاء . هذا التفسير كثيرا ما يحيد عن جادة الصواب سواء قام به النصارى أو المسلمون ، « فهذا باب قد غلطت فيه العرب أنفسها وفصحاء أهل اللغة إذا غلطت قلوبها ، وأخطأت عقولها ، فكيف بغيرهم ممن لا يعلم كعلمها ؟ » . ويضرب مثلا على ذلك النظام الذي فسر كلمة خليل اللّه بمعنى